Social Icons

آسف لأني لم أعد أحبكِ : لـ | وليد حمدي اسرائيل

أن تنتبه للحب وهو ينفلت منك ، كأن تراقب إيمانك وهو يتلاشى ، لحظات شجاعة وذكاء وسخرية استثنائية جدًا ، حتى أنك تستهلك وقتًا طويلًا لتعترف أمام نفسك أن ذلك يحدث فعلًا ، أنكَ ترى العالم دون هيبته ، وتنتبه لكل التفاصيل التي أغفلتها ، كل ما يجعل من تحب شبيهًا بالآخرين ، سيكون ذلك الذي أحببته يومًا ودفعت مشاعرك وعواطفك كسيولٍ جارفة لكي تغرقه وتحتويه عاديًا جداً وأن جميع المشاعر قد نضبت وجفت وأصبحت هذه العلاقة مقفرة ويابسة وبلا حياة ، تنتبه للنمط الذي أغفلته لصالح استثنائية كنت متيقنًا منها ، الآن تدرك ، هي تتكلم مثل زميلاتها في الجامعة ، وتمشي مثل بنات طبقتها ، بل وتضحك مثل بنات الأسر المحافظة المتمردات ، حتى طريقتها الساحرة في نطق جملة بعينها ، تكتشف أنك سمعتها بنفس الطريقة مرات عديدة ، من مليونِ نسخةٍ أُخرى ، الإدراك نفسه يحز في نفسك ، كأنك تسب صديقًا قديمًا في حضرة أعدائه ، لكن هذه السخرية العميقة بمجرد حدوثها لا يمكنكَ التراجع عنها ، تشعر بالقوة لأنك تحطم شيئًا عزيزًا عليك ، تراه يسقط من روحك ويهوي ولن تحركَ ساكنًا لأجلِ إنقاذه ليس لأنك لاتملكَ القدرة بل لأنك سئمت ، لن تشعر بالذنب لتحطيمك إياه ، سيكون بوسعك أن تحب مرة أخرى ، كما يمكنك أن تؤمن ثانية ، لكن هذه المرة ، تكون أكثر خبرة ، أكثر احترازًا وأقل تورطًا ، ومستعداً للإنسحاب عند أول إشارة لتَهَدُم العالم الجديد ، ليس الحب الأول أكثر وطأة لأنه أكثر أصالة ، فعادة ما يكون نتيجة لقلة الخيارات ، هو أكثر وطأة لأنه يخترقك دون دفاعات ، ولأنك تصمد بوجههِ طويلًا قبل أن تكتشف أن الإنسحاب ليس عارًا يجب تجنبه ، وأن الدهشة لا يمكن إعادة تخليقها بالقوة ، وأن مقاومتك اليائسة تزيد من قسوة الانسحاب لكنها لا توقفه ، وأن الحبل الذي لا تدعه يفلت منك يلتف حولك وحول من تحب ، وكلما شدته أكثر كلما شعرت بالاختناق ، الاختناق الذي تفسره مخطئًا أنه نتيجة للانسحاب لا المقاومة ، لم تعد تمتلك الرغبة في المحاولة ، ليس لأنكَ لم تعد مهتمًا ، لكنك لا ترغب بالمزيد فحسب ، لا أحد يعرف كم قاومت ، وأنت محترقًا بجحيم هائل داخلك ، وأنت تعاني لأجل أن تخرج نفسك من محيط الوهم الذي كنت غارقًا فيه ، لتكتشف أخيراً أن التخلي عن هذا الحُب المُعاق لهو أفضل ما يمكن أن تفعلهُ لأجل إنقاذ نفسك ، وتعود الى رشدك ، وتمسك ورقةً وقلم وتكتب رسالتك الأخيرة :
" على كُلٍ ، لم يبقى لنا أي سبب للإستمرار ، آسف لأني لم أعد أحبكِ ، آسف لكوني أصبحت أمتلكُ الشجاعة الكافية لقول هذا " ...
،

- التاسع والعشرون من إبريل ، السنة السابعة عشر بعد الألفين

الى تلكَ التي أكرهها : لـ | وليد حمدي اسرائيل

قبل قليل وجدتُ دفتر مذكراتي ، أتذكر أنني أضعته قبل عدة سنين ، تصفحت الماضي ، كل ما كتبته فيه ، شريطٌ من الذكريات بعضها مبهج والآخر بائس جدًا ، قرأتُ هذه الرسالة التي كتبتها قبل أربعة سنين ، أتذكر يومها أنني كنتُ مريضًا وجسدي يرتعش لكنني كتبتُ هذه الكلمات .. يبدو أنها كانت رسالة وداع !

،

" أيتها السمراء ، يا حبيبتي الصغيرة ، أعلمُ أنكِ رحلتِ دون وداعٍ حتى ، لم أكُن أظن أن النهاية ستكونُ هكذا ! ، لقد تجاوزتي كُل شيءٍ بيننا ببرودٍ كبير ، كجندي يتجاوز جُثث زملائه بعد إنتهاء الحرب ، نعم .. هي حربٌ ضروس كانت مشتعلة بيننا ، ربما أنتِ من إنسحبتِ أولاً لكنني أنا من تحمل القدر الأكبر من الخسارة ، ها قد إنتهت الحرب لنسترح الآن بعدما قاتلت كثيرًا لأجلكِ إنتهى كل شيء ، خسرت الحرب ، كانت حربًا متعبة ، لقد خَسرتكِ ، لكن ربما الأمر ليس بذلك السوء ففي النهاية ربحتُ نفسي ، منذُ البداية عرفتُ أن هذا الأمر سيفسد تمامًا ، لأنه كان جميلًا  أكثر مما ينبغي ، حسنًا .. إذهبي اليه سيعطيكِ المال والجاه ، وسيجعلُ منكِ سيدة تغارُ منها بقية النِساء وسيحسدنها على ما ظفرت بهِ ، من الجيد أن الطريق التُرابي الذي كنتُ أقطعه مشيًا وأخوض في الوحل للوصول الي بيتكِ لألمح ظلكِ ولو صدفة قد تم رصفهُ وإضاءتهُ ، لن يحتاجَ حبيبُكِ الجديد أن يخوض في الوحل كما كنت أفعل أنا عندما يأتي اليكِ بسيارتهِ الفارهة ، من الجيد أيضًا أن لون سيارته حمراء تذكرني بالورود الحمراء التي كنتُ أسرقها من حديقة جارتنا العجوز كي أُهديها اليكِ ، أنا أعلمُ أنكِ تحبين اللون الأحمر كثيرًا ، أنا أحبهُ كذلك ، يذكرني بلون وجنتيكِ عندما قلتُ لكِ للمرة الأولى " أحبكِ " .. أذهبي اليه سيعطيكِ المال نعم لكنهُ لن يُعطيكِ حبًا ، لأنكِ لن تجدي مُحبًا لكِ مثلي لا على الأرض ولا حتى في السماء ، كنتُ أعرفكِ أكثرَ منهم ، عيناكِ هذه التي كنتُ أطفوا في فضائها دائمًا لا أعلمُ كيف ضاقت عليَّ وطردتني مِن فُلكها ، أعتقدُ أنني لم أعُد أُحبكِ ، أو لنقل لم يعُد الأمرُ هستيريًا كما في السابق ، لم أكُن أملكُ المقدرة الحقيقية على الإحتفاظ بكِ ، كما أنكِ لم تُقاتلي لأجل الإحتفاظ بحبنا ، رحلتِ فقط ولم تنبسي ببنتِ شفةٍ موضحةً سبب هذا الفراق .. جعلتيني أكتشفُ الأمر بنفسي ، يا صغيرتي الخائنة ، هذا الفُراق الأبدي الذي عصفَ بنا ، وجعل إمبراطورية حُبي لكِ تتهاوى ، سأعِدُكِ بشيء .. ستتذكريني كثيرًا حتى وأن كُنتِ معه ، ستتذكرين نكاتي وحماقاتي ، ستتذكرين نصائحي وكلماتي ، أعِدُكِ .. ستجديني مختبئاً خلف كلِ أُغنية تسمعينها ، ستتذكرين كُل شيء ، رُبما تعودينَ يومًا ، لكنكِ ستجدين أنني رحلت ، ربما الى قلبِ امرأة ثانية تحبني وتقاتل من أجلي وتعِدُني أنها ستحتفظُ بي لباقي العمر ، نعم .. لن أُبقي قلبي مُعلقًا بشخصٍ تخلى عني ، وعلّامَ ذلك ؟ ، لماذا قد أبقى متعلقًا ومحبًا لشخصٍ لا يُريدني ألا يعدُ هذا غباء ؟ .. لدي الكثير من الكرامة التي لن أُبددها عليكِ ، أنتِ كائنة مُثيرة للشفقة ، غبية ، ساذجة ، لقد عانيتُ كثيرًا لكي أُحولَ حُبي لكِ كُرهًا .. أحيانًا أودُ أن أخنُقكِ ، وأن أقتلكِ ، أن أُهشم رأسكِ بمطرقة كبيرة .. لكن أحيانًا كثيرة أودُ أن أرتمي بحضنكِ وأبقى هكذا الى الأبد ! .. ما هذا التضارب في المشاعر ؟ .. أن أجدكِ تارةً عدوةً لدودةً لي وتارةً أُخرى أجد فيكِ جزءاً كبيرًا يُشبهُ حنانَ أُمي لذا أعود وأحُبكِ من جديد ! .. حسنًا سأتخلص من كل هذا ، ببساطة شديدة سأمحوكِ من ذاكرتي كفلمٍ ممُل ذو حبكة تراجيدية ونهاية مأساوية ، أنها النهاية ، طفلتي الرقيقة ، أذهبي .. لا تقولي وداعًا فقط إذهبي ، لكن عديني أن تُحافظي على عينيكِ السوداوين  الجميلتين الواسعتين بلا نهاية ، لقد كنتُ أُحبهما كثيرًا ، " هذه العيون التي كنتُ أظنها وطنًا لا يخون ، لا أدري كيف خان ؟! "

،
- الى تلكَ التي أكرهها كثيرًا .. أُحبكِ

وليد عُد للكتابة : لـ | وليد حمدي اسرائيل

- وليد عُد للكتابة ..

- ماذا أكتب ؟

- أكتب أي شيء يا رجل أنت صامت منذُ أشهر قُص عليّ ما حدث لك طوال هذهِ المُدة !

- لا أذكرُ أني مررتُ بأحداثٍ مُهمة ، أشعرُ بأن أيامي تُعيدُ نفسها ، أخترتُ الصمتَ علىٰ أن أبوحَ بتفاصيلٍ مُملة ، ربما الحدث الأبرز الذي مررتُ فيه هو أنني سقطتُ في مستنقعِ الحُب !

- مُستنقع ؟!

- نعم مُستنقع ، وبعدَ أن تجاوزتُ الأمر إعتذرتُ لنفسي لأني حملتها أعباء عيش حُبٍ مُعاق ، كانَ وهماً جميلاً لفترة ، ربما لأنها كانتْ الوحيدة التي استطاعت الدخول إلى أعماقي وإنتشال الحزن الذي بدأ يأكل قلبي مثل أرضة الخشب ، كانَ وهجاً يشعُ بالحميمية والبراءة ، ثم بعدها إنهارَ كُل شيء ، في الاونة الأخيرة إكتسبت ميزةً كنتُ أفتقد اليها في أشدِ الأوقات إحتياجا لها ، أصبحتُ أتخلىٰ عن الأشياء بسهولة ، لم أعد الطرف الذي يتمسك لأخر لحظة ، أصبحتُ أملك قلباً قاسياً ، فقط إرتكب خطأ واحد في حقي ، و ستجد نفسك غريباً أبعد ما يكون عن الشخص الذي كان مقرباً الي قبل هذا الخطأ ، يبدو أنني فقدتُ طاقة التسامح التي كانت لدي ..

- ماذا حدث ؟

- يا صديقتي ، عندما يتضائلُ الحُب بين الخليلين ، يحتاج إما إنفجاراً قوياً يُعيدُ له وهجه الاول وشغف البدايات أو بتراً شُجاعاً له ليتنازل الطرف الأكثر حساسية ويتحمل القدر الأكبر من الخسارة ، أنا كنتُ ذلك الطرف حينها عندما تضائل حُبنا وإنتهىٰ ، لقد فشلتُ دوماً في كوني مُكملاً لأحدهم ، كنتُ فرداً ناقصاً مليئاً بالثقوب لا يجيد الحُب إلا من مسافاتٍ بعيدة ، ذات يوم أمسكتُ هاتفي وكتبتُ لها هذه الرسالة ...

" لن أنسىٰ خيانتكِ لي لا بل لن أُسامحكِ أبداً ، هذه نهاية معاناتي طيلة الأشهر الماضية معكِ ، لم يعُد قلبي يتمنىٰ عودتكِ كما لم يعُد عقلي يستغرب غيابكِ، وقد أيقنتُ بأنكِ قد كُنتِ تقتاتينَ على حزنِ قلبي ومَرار أيامي وقد حصلتي من هذا القوت ما تسُدينَ به جوع مشاعركِ وظمأ إحتياجكِ لوجودي بجواركِ ، أذهبي أليه لربما يُسعدكِ ، يالسعادته سيقطع طريقاً معبداً ومضاءاً الى بيتكم ولن يضطر أن يخوضَ في الوحل مثلما كنتُ أفعل أنا عندما يشتاقُ قلبي أليكِ وتقودني أقدامي نحوكِ ، إني الآن قد دللتُ الطريق المُعاكس لذاك الطريق الذي لطالما مشيتي فيه عكسي ولم تُلقِ لصوتي مسمعاً ، بل ولم تُلقِ لِنداءاتي أجوبة ، وكم من مرةٍ كان عليّ إخبارُكِ بأن لابُد لقدمي أن تمِل الوقوف ، ولابُد لعقلي أن يمِل التبرير ، ولا بُد لقلبي أن يتعلم النسيان ؟ وكم من مرةٍ إستسقيتِ من حُزنِ قلبكِ ألف فرحٍ حتى لا يشعر بما أشعر ، أو مالا أشعر .. ذلك لم يعُد مهمًا الآن ، ومثلما كُنت أحضُر إليك طيلة أيامي السابقة حتى أُخبِركِ بأنني واقفٌ إلى جوارِكِ في كُل حاجاتكِ وفي عدم الإحتياج ، قد حضرتُ إليكٓ الآن في نفس الوقت ولكن لأخبرك بأن كُل مامضى كان الأخير ، أصبحتِ بلا قيمة أو معنىٰ ، لقد طردتُكِ من قلبي الىٰ الأبد ، وداعاً .... "

- أهذا كل شيء ؟

- نعم كان هذا كل شيء .... ولا أجدُ حدثاً آخر يستحقُ الذكر حتىٰ

حقوق الطبع والنشر محفوظة ، لـ مجلة انا وذاتي