أنا ومُذ أن وعيتُ بذاتي ، كانَ يراودني ذاك الشعور بأني سبقت سِني ، وأني حِزتُ من النضجِ ما انشغل عنه أقراني ، كنتُ أشعر بأني أملكُ الإرادة لأن أُصبحَ شيئاً عظيماً، أن أُغيّر العالم أو هراءٌ من هذا القبيل، حتى تمنيتُ دائماً أن أكبر سريعاً لأصير جديراً بطموحاتي ، غير أني شيئاً فشيئاً لم أعد قانعاً بأن أمارس أي تغيير مؤثر في ما حولي ، بل صار مجهودي يقتصر على أن أنزوي لداخلي وأمنع المكان من ممارسة تغييره المؤثر عليّ ، وما عاد يُهمني لو ذهب هذا العالم الى الجحيم ، لقد أدركت متأخراً أني من بين أقراني كنت ضمن الأشد تخلفاً والأقل نضجاً، وأني تركتُ الحياة تمضي فيما كنت منشغلاً بعدم الإنخداع بمظاهرها، بل والإنتقاص من متطلباتها العملية ومسؤولياتها ، هذا الوعي المفرط في كُل شيء يجُرني نحو الهاوي ، حيث أجد في قاعها سوادً مُظلم من الكآبة والقلق وعدم الراحة ، والشعور الدائم بعد الإنتماء للمكان الذي زرعني القدر فيه ، إذا كان هناك ما هو أشد خطورة من اﻹفراط فى المخدرات ، فمن دون شك هو اﻹفراط فى الوعي وإدراك اﻷشياء ، كافكا قال هكذا يومًا ، ولا أعرف لماذا لم آخذ بنصيحتهِ على محمل الجد ، هذا العالم بدأ يخنقني جداً ، ولا أشعرُ فعلياً بأني على قيد الحياة ، ولا أظن أن تسطير الكلمات البائسة بهذا الشكل قد تنفع أحداً غير أني لا أجدُ متنفساً غير الكتابة ، ولا أظن أن أحداً سيفهمُ تماماً معنى أن تكونَ في العشيرين من عمرك بينما تشعرُ أن روحكَ الثقيلة تجرُ سبعينَ عاماً وراءها .
الفقد : لـ | وليد حمدي اسرائيل
أظن أن فكرة الفقد ليست كما يصورها البعض " إن الدنيا مليانه بشر،.لو راح واحد يجي غيره "
لا أبدا ً .
أتذكر مثلاً في مسلسل فريندز عندما سألوا ريتشل بعد أنتهاء علاقتها بـ روس : " لماذا ما زلتِ متعلقة به ؟ ".
قالت : " there is too much history between us "
هذا الجملة العظيمة تختصر ربما كل الحديث الذي انوي أن أكتبه ...
فكرة أن هناك شخص كان يشاركك حياتك ، فهو يصنع جزء من تاريخك أنت ، يدخل في صنعك انت شخصياً ، وهذا يتوضح جلياً عندما تتصفح صور الماضي وتشاهد نفسك مع أشخاص ، عندها ستتذكر حياة ولحظات وكلمات ووعود وأمال كانت معقودة في المستقبل ، ستتذكرشعور قلبك ناحيتهم ،.فكرة أن شخص ما عندما يقرر الإنسحاب من حياتك ، فهو سيقوم بأخذ جزء من تاريخك ، ياخد جزء منكَ أنت شخصياً !
وكل ما كان هذا الشخص صنع جزء كبير من شخصيتك بوجوده ، وأشعركَ بحالات من البهجة والأنس ، وشارك في تكوين كيانك العقلي والعاطفي ، علي قدر قربه منك ، علي قدر الجزء المفقود منك عند الإنسحاب ومقدار الألم الذي سيخلفه
الأب والأم فراقهم يقتل الجزء الطفولي داخل الإنسان ، لأنهم ياخدون معهم كل ذكريات الطفولة ، يصبح تذكار الصبا نوعاً من الألم ، يشعر الإنسان أنه فقد جزء منه ، يشعر أن نور حياته قد انطفئ بفراقهم
هناك قلوب متهتكة وحزينة من كثرة الأمال المقتولة علي هيئة أشخاص كانوا يمثلون كل العالم لتلك القلوب ، الشخص عندما يشارك صديق سنين من عمره ، ثم ينسحب كأنه لم يكن لسبب ما يحيل دوام تلك العلاقة ، الإنسان لا يخسر في الحقيقة هذا الصديق في المستقبل فقط ، لكنه يكون في تلك اللحظة فقد سنين من عمره ، بقدر تلك الصحبة .
عندما تخسر شخص ما وأنت في عشرينات عمرك غيره عندما تكون في الثلاثنيات غيره عندما تكون في الأربعينيات ، وكلما تقدمت في العمر يصعب أن تبتدأ في صنع تاريخ من الذكريات جديد ، يصعب عليك أن تستعوض تلك الخسارة وتنهض لصنع صديق أو حبيب جديد ، من جديد ، يصعب أيضا البدء من جديد بنفس الطاقة ونفس الأمل ونفس الشعور ، يهاجمك الخوف من الخذلان والخوف من الفقد بعد البناء
لهذا هناك الكثير من الناس بعد عمر معين لو فقدوا عزيز ما ، تجدهم يرغبون في الموت بكل صدق ، حيث أن الجزء الراحل منهم هم شخصيا أكبر من الجزء المتبقي لهم في تلك الحياة ..
جملة مواسية مثل " أحبوا هونا ما وأبغضوا هونا ما " لا تعمل هنا ، لأننا لا نتكلم عن كمية الحب ، لكننا نتكلم عن سنين القرب والصحبة التي صنعت بالفعل بسبب هذا القرب والمصاحبة ولو كانت المصاحبة حتي هونا ما !
الانسان مجموعة من الذكريات المتراصة فوق بعضها و التي تمثل عمره كالبيت المرصوص لا يمكن ازالة جزء منه بدون التأثير علي الكل لذا يستحيل نسيان الذكريات مهما حاولنا فهي تظل ثابتة في مكان ما من الذاكرة وكثيراً ما نتعذب بذكرياتنا خاصة اذا فقدنا حبيب او صديق و لذلك ايضاً كلما زادت اعمارنا زاد حنينا الي ذكرياتنا وزاد وجعنا ... وحده من يمتلك الشجاعة والارادة القوية هو الذي يستطيع المضي قدماً ليكسر نمطية هذا الكلام ويتجاوز هذا الألم وينهض من جديد بعدما تحمل القدر الأكبر من الخسارة ....
ﺗﻤﺜﺎﻝ ﻏﺒﺎئك : لـ | وليد حمدي اسرائيل
- ﻓﻲ ﺍﻟﺒﺪﺍية ﺳﺘُﺨﺒﺮﻙ أﻧﻬﺎ ﺭﺍضية ﺑﻚ ﻋﻠﻰ ﻣﺎ أﻧﺖ ﻋﻠﻴﻪ ، ﺭﺍضية ﺗﻤﺎﻣﺎً ﻋﻦ إﺿﻄﺮﺍبك و إكتئابك و بؤسك ﻭ ﺷﺨﺼﻴﺘﻚ ﺍﻟﻐﺮيبة ﻭ ﺷﻜﻞ ﻭﺟﻬﻚ ﺍﻟّﺬﻱ ﻻ ﻳُﺸﺒﻪ ﺃﻱ ﺷﻲﺀ ، ﻭ ﻻ يشعُر أﺣﺪ منّا ﺑﺄﻱ ﺷﻌﻮﺭ ﺣﻴﻦ ﻳُﻨﻈﺮ ﻟﻪُ ، ﺳﺘُﻘﻨﻌﻚ ﺃﻧﻬﺎ مهووسة ﺑﺘﻔﺎﺻﻴﻠﻚ ﻭ ﺑﻌُﻤﻘﻚ ﺍﻟّﺬﻱ ﻻ ﺣﺪ ﻟﻪُ ، مهووسة بفكرك ﺃﻭﻻً ﻭ ﺃﺧﻴﺮﺍً ، ستُقنعك أنها ﻻ يهمُها إﺫﺍ ﻣﺎ ﻛُﻨﺖ ﺫﺍ ﺟﺎﻩ ﻭ ﻣﺎﻝ ، ﺗﻬﻤُﻬﺎ ﻏﺮﺍﺑﺘﻚ ، إﻧﻄﻮﺍﺋﻴﺘﻚ ، ﻋُﺰﻟﺘﻚ الغير مُبرره ﻭ ﺻﻤﺘﻚ ﺍﻟﺮﻫﻴﺐ ، ﺇﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺠﺎﻧﺐ ﻣﻦ ﺍﻟﻐﻤﻮﺽ ﻫﻮ ﻣﺎ ﻳﺸﺪُﻫﺎ ﺇﻟﻴﻚ ، ﻫﻮ ﻣﺎ ﻳﺴﺘﻔﺰُﻫﺎ ﻟﻤﻌﺮﻓﺘﻚ ﺃﻛﺜﺮ ، و ﻟﻦ ﺗﺘﻢ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﻌﺮفة ﺇﻻ ﺑﺎﻟﺘﻌﻤُﻖ ﻭ ﺍﻟﺘﻮﺍﺻُﻞ ﺍﻟﺒﺎﻃﻨﻲ ، ﺗُﺮﻳﺪ ﺗﻌﺮﻳﺘﻚ ﻭ إﻛﺘﺸﺎﻑ ﻣﺎ ﺑﺪﺍﺧﻠﻚ ، ﻣﺎﺫﺍ ﻳﻮﺟﺪ ﺧﻠﻒ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﻼﻣﺢ ﺍﻟﺸﺎحبة ؟! ، ﺃﻱ ﺭﺟُﻞ ﻳﺴﻜُﻦ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺨﺮﺍبة ؟! ، ﺇﻧﻪُ ﻓﻀﻮﻝ ﻣﻦ ﻧﻮﻉ ﺁﺧﺮ ﻗﺪ ﻳﺠﻌﻞ ﺍﻟﺸﺨﺺ ﻳُﻀﺤﻲ ﺑﻨﺼﻒ ﻋُﻤﺮﻩ ﻹﺷﺒﺎﻉ ﻓﻀﻮﻟُﻪ ﻭﺟﻮﻉ ﻧﻔﺴُﻪ ،
- ﺳﺘﺘﻤﻜﻦ ﻣﻨﻚ ﺑﻄﺮيقه ﺃﻭ بأُﺧﺮﻯ ، ﺳﺘُﺼﺪﻗُﻬﺎ ﻃﺒﻌﺎً ، ﻣﻦ ﺫﺍ ﺍﻟّﺬﻱ ﻳﺮﻓُﺾ إﻣﺮﺃه جميله و مُثقفة ؟! ، إمرأه ﺗُﺠﻴﺪ ﺍﻟﻌﺒﺚ ﺑﺎﻟﻤﺸﺎﻋﺮ ﻭ إﺳﺘﻨﻄﺎﻕ ﺍﻟﺸﺨﺺ ﺍﻟﻐﺎﻣﺾ ﺍﻟّﺬﻱ ﺑﺪﺍﺧﻠﻚ ، ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻫﻲ ﺗُﺤﺪﺛﻚ ﺑﺮقه ﻭ ﺗُﺮﻏﻤﻚ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺒﻮﺡ ﺳﺘﺪﻭﺱ ﻋﻠﻰ ﻇﻠﻚ ﻭ ﺭﻭﺣﻚ ﺩﻭﻥ ﺃﻥ ﺗﺸﻌُﺮ ﺑﺬﻟﻚ ، ﺃﻧﺖ ﺍﻵﻥ ﺷﺒﻪ ﻣُﺨﺪﺭ ، ﺍﻟﻮﻗﻮﻉ ﻓﻲ ﺍﻟﺤُﺐ ﺃﺷﺒﻪ ﺑﺄﺧﺬ ﺟُﺮﻋﺔ ﻣُﺨﺪﺭ ، ﻗﺪ ﺗﻘﻮﻡ ﺑﻜُﻞ ﺍﻟﺤﻤﺎﻗﺎﺕ ﺍﻟّﺘﻲ ﻟﻢ ﺗﺘﺨﻴﻞ ﻳﻮﻣﺎُ ﺃﻧﻚ ﺳﺘﻘﺘﺮﻓُﻬﺎ ، ﺳﺘﺠﺪ ﻧﻔﺴﻚ ﺗﺘﺤﻮﻝ ﻻ ﺇﺭﺍﺩﻳﺎً ﺇﻟﻰ ﺷﺨﺺ ﻛﺮﻫﺖ ﺃﻥ ﺗﻜﻮﻧُﻪ ،
- ﻓﻲ ﻧﻬﺎﻳﺔ ﺍﻷﻣﺮ ﺛﻖ ﺃﻧﻬﺎ ﺳﺘﻤﻞ ﻣﻨﻚ ، ﻻ ﺣﺎجة ﻟﻬﺎ إليك ﺍﻵﻥ ، لم ﺗﻌُﺪ ﺗُﻐﺮﻳﻬﺎ إطلاقاً ، ﻷﻧﻬﺎ ﻟﻢ ﺗُﺤﺒﻚ من الأساس ، ﺑﻞ ﺃﺣﺒﺖ ﺍﻟﺠﺎﻧﺐ ﺍﻟﻤُﻈﻠﻢ ﻓﻴﻚ ،
- الآن ﺣﻴﻦ ﺃﺣﺮﻗﺖ ﻓﻀﻮﻟﻬﺎ ﺑﺪﺍﺧﻠﻚ ﻋﺮﻓﺖ ﺃﻧﻚ ﻣُﺰﺩﺣﻢ ﺑﺎﻟﻔﺮﺍﻍ ، ﺣﻴﻦ ﺃﻃﻠﺖ ﻋﻠﻰ ﻗﻠﺒﻚ ﻭ إﺭﺗﻮﺕ ﻣﻦ ﺃﺣﺎﺩﻳﺜﻚ ﻭ ﺃﺳﺮﺍﺭﻙ إختفى ﺷﻌﻮﺭﻫﺎ ﺍﻷﻭﻝ إﺗﺠﺎﻫﻚ ، ماتت ﻟﻬﻔﺘُﻬﺎ ﻟﻚ ، إﻧﻘﻀﺖ ﺩﻫﺸﺘُﻬﺎ ﺑﺎﻟﻤﺮه ،
- الآن ﺳﺘﺸﻌُﺮ ﺃﻧﻚ ﺧُﺪﻋﺖ ، ﺳﻴﺘﺠﺴﺪ ﺗﻤﺜﺎﻝ ﻏﺒﺎئك ﻭ ﻳﺠﻠﺲ ﺑﺠﺎﻧﺒﻚ ، ستتبادلان ﺍﻟﺸﺘﺎﺋﻢ ﻟﻮﻗﺖ ﻃﻮﻳﻞ ، ﺳﻴُﺴﻴﻞ ﻟُﻌﺎﺏ ﺳﺨﺎﻓﺘﻚ ، ﻭ ﺳﺘُﺪﺭﻙ ﺃﻧﻚ إﺳﺘﻨﺰﻓﺖ ﺟُﻬﺪﻙ في البوح ﻟﺸﺨﺺ ﻻ ﻳُﺮﻳﺪﻙ ، ﺇﻧﻤﺎ ﺃﺭﺍﺩ ﺭﺅﻳﺘﻚ ﻣﻦ ﺟﺎﻧﺐ ﺁﺧﺮ ﻭ ﻣﻦ زاوية ﺃُﺧﺮﻯ ، ﺃﻭ ﺭُﺑﻤﺎ ﺃﺭﺍﺩ ﻣﻌﺮﻓﺔ ﺣﻘﻴﻘﺘﻚ ﺍﻟّﺘﻲ ﺗُﺨﻔﻴﻬﺎ ﻋﻦ ﺍﻟﺠﻤﻴﻊ ..!